بهجة عيدنا الآخر - للكاتب أنس شريبي


بهجة عيدنا الآخر ……………………………………………………………………………… الكاتب أنس شريبي  Anas Chraibi
مثل طارق يبلغ بواباتنا على عجل، ها هو عيد آخر انتظرناه على مسافة من تلك الأمنيات، ذاك الذي مر بنا قبل عام؛ تاركا في دفاتر ذكرياتنا حزمة أماني مؤجلة، وأحلاما ما زلنا نعبر بها محطات الحياة، مراهنين على غد تصل فيه قاطراتنا إلى وجهة اسمها السعادة.
ذلك أن الإنسانية برمتها ومنذ بدء الخليقة اخترعت اعيادا لا تحصى على رؤوس الاصابع، دون أن تدري أن أعيادا ستأتي لتجدنا أسرى متلازمات تحكم البشرية بمعدلات انفاق تزيد سنة بعد أخرى، لتترك الكثير أمام حزمة أسئلة يفظل الكثير التغاضي عنها لأكثر من سبب. ما دامت مواسمنا غدت أشبه من تلك الدقائق التي تمر بنا أثناء انتظار قطار، أو طائرة تأخذنا صوب وجهة ما، فالذي تسرقه الايام من روزنامة بهجتنا يظل دوما عصيا على العد.
هكذا إذا بعد سنة، يحل بنا عيد انتظرنا بهجته تلك ونحن نفتح دواليبنا على بهجة بعطر عابر، نتأمل ذاكرة أرقام نعايد بها لاحقا من تصنع أصواتهم عيدنا، من نبحث عنهم فيما يمضي من مواسمنا لنكتشف في برهة ان لقاءهم يغدو أحيانا أشبه بالبحث عن مجرة بعيدة، أو حلم عصي على المنال، إذ قبل زمن كنا نراهن على طارق يزورنا في لحظة ما، عابرون تعلقنا بتلابيبهم، من صنعوا فرحنا بعيدية، من عانقناهم بلهفة بعد غياب، من قاسمناهم وهمنا، كما نظرتنا تلك لقادم أيام تنسينا هواجس اليوميات المتشابهة.
كبرنا بعمر دون أن ندري أن ثمة أشياء قدرها أن تصغر، فما كنا نراه من اعياد كانت غدا أشبه بلحظات تسرق منا في برهة، ذلك أن أعيادا أخرى كانت تمر بنا كما لو أنها عمر أحلام تتغير فيه أشياؤنا الاعتيادية، عمر لملمنا فيه ملابس عيد مضى، لنعيش فرحا كالذي كنا نتذكره على مدار ايام أو حتى أسابيع. دون أن نملك ترف توقع ما سرقته منا الأزمنة بدءا بتلك الأحلام الصغيرة وانتهاء بتفاصيل اعتدنا النظر إليها كلما اقترب العيد، وان تلك الهواتف التي كنا نعانق خيوطها في زمن مضى ستصبح مخزون صور تعبرنا في صمت مطبق، وفي ظل غياب من كان وجودهم وحده يصنع فرحتنا.
-الاعياد دوارة- تقول الكاتبة أحلام مستغانمي، والتي كانت تقصد بكلمتها عيدا آخر، ذلك أننا في كل زمن نتوقع عيدا لا يجلسنا إلى دوائر الأسئلة. ولا إلى هواجس غياب من لا زلنا نتذكر عطرهم، كلما نظرنا إلى صمت هاتف، أو حتى باب فرغت علبة الرسائل الملتصقة به، من خطابات أعياد ملأت صناديق ذكريات عمر!! علبة لم تدر حتما بما غير نوازع البشرية بمرور الزمن، ليجعل من خطابات أعيادنا العابرة مجرد أحرف قابلة للنسيان ….
كل عام وعيدنا وعيدكم بمعايدات تدخل القلوب !!…


Comments

Popular posts from this blog

‏الصمت العميق

البطولة الجهوية للأوراس للحساب الذهني-الجزائر

مؤتمر دراسة حال ذوي الإعاقة - أمانة عمان الكبرى